ابن الجوزي

110

صفة الصفوة

بفهمك واقتدارا منك برأيك فأين تذهب عن قول اللّه عزّ وجل : ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [ سورة النساء آية : 109 ] اعلم أن أدنى ما ارتكبت وأعظم ما احتقبت أن آنست الظالم وسهّلت له طريق الغي بدنوك حين أدنيت وإجابتك حين دعيت فما أخلقك أن ينوّه غدا باسمك مع الجرمة ، وأن تسأل عما أردت بإغضائك عن ظلم الظّلمة . إنك أخذت ما ليس لمن أعطاك ، جعلوك قطبا تدور عليه رحى باطلهم وجسرا يعبرون بك إلى بلائهم وسلّما إلى ضلالتهم يدخلون بك الشكّ على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهّال إليهم ، فلم يبلغ أخصّ وزرائهم ولا أقوى أعوانهم لهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم واختلاف الخاصة والعامة إليهم فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خرّبوا عليك ، وما أقلّ ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك ، فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك ، وحاسبها حساب رجل مسؤول وانظر كيف شكرك لمن غذّاك بنعمه صغيرا وكبيرا ، وانظر كيف إعظامك أمر من جعلك بدينه في الناس مبجلا ، وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته مستترا ، وكيف قربك وبعدك ممن أمرك أن تكون منه قريبا ، ما لك لا تتنبه من نعستك . وتستقيل من عثرتك فتقول واللّه ما قمت للّه عزّ وجل مقاما واحدا أحيي له فيه دينا ولا أميت له فيه باطلا ؟ أين شكرك لمن استحملك كتابه واستودعك علمه ؟ ما يؤمنك أن تكون من الذين قال اللّه عزّ وجل فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى الآية [ سورة الأعراف آية : 169 ] إنك لست في دار مقام قد أوذنت بالرحيل فما بقاء المرء بعد أقرانه ؟ طوبى لمن كان في الدنيا على وجل ما يؤمن من أن يموت وتبقى ذنوبه من بعده إنك لم تؤمر بالنظر لوارثك على نفسك ، ليس أحد أهلا أن ترد له على ظهرك . ذهبت اللذة وبقيت التّبعة ، ما أشقى من سعد بكسبه غيره . احذر فقد أتيت وتخلّص فقد وهلت . إنك تعامل من لا يجهل والذي يحفظ عليك لا يغفل . تجهز فقد دنا منك سفر بعيد وداو دينك فقد دخله سقم شديد ، ولا تحسبنّ أني أردت توبيخك وتعييرك وتعنيفك ، ولكني أردت أن تنعش ما فات من رأيك ، وتردّ عليك ما عزب عنك من حلمك ، وذكرت قوله تعالى : وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [ سورة الذاريات آية : 55 ] أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك وبقيت بعدهم كقرن أعضب فانظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت به أو دخلوا في مثل ما